عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

214

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

لأعلمه فقال لي قبل أن أعلمه قد أهلك اللّه الفاجر متى وجدت من هذه حالته فأعلمني به . وحكي أنّ الشيخ أبا يوسف لما وصل إلى الإسكندرية ، لقي بها الشيخ الصالح أبا الوليد وكان من الأكابر فمرض الشيخ أبو يوسف ، فدخل عليه أبو الوليد فقال له : أنت تموت من مرضك هذا ، وأنا أصلي عليك وأدفنك ! فقال له أبو يوسف : بل يعافيني اللّه تعالى من هذا المرض وتموت أنت فأصلي عليك وأدفنك ، فبرئ الشيخ أبو يوسف ، ومات أبو الوليد فصلّى عليه الشيخ ودفنه ، وأخباره في هذا النوع كثيرة أفردنا لها كتابا على حدة ، وقد تخرج من أصحابه طائفة اشتهروا بالصّلاح والفضل . قلت : هو مقدار ثلاثة أرباع رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد وها أنا أذكر بعض ما فيه من غير ترتيب لكلامه ، قال فيه : ولد الشيخ أبو يوسف بالبادية بقرب قرية تسمّى المسروقين من حوز القيروان ، ونشأ بالبادية والقيروان وقرأ القرآن على أبي عبد اللّه محمد بن عمر بن جابر رحمه اللّه ، وكان أحب أولاد أبيه إليه حكي عنه أنه قال : سمعت والدي يوما يقول : إنّ من قال لأبيه : لا ، دخل النار ، فكان من حبه لي أن لا يصرفني في حاجة خوفا أن أقول له لا ، وقال لي منذ عقدت مع اللّه هذا العقد : لا أطلبك بحق هو لي لا في الدنيا ولا في الآخرة . وقال : يا رب ما لي على يعقوب ولدي من حق فهو عليه صدقة ، وكان رحمه اللّه منذ مراهقته البلوغ محافظا على الصلاة ، متنزها على الفواحش ، وكان محبا في ركوب الخيل العتاق ، وكان سبب انقطاعه عن العرب أنه قال سرت مرة مع جماعة من بني عمّي من عمل القيروان إلى المهدية بنية الجهاد عند نزول الرّوم عليها في وقعة الجمعة المشهورة ، وكان علي درع حسن وأنا راكب على فرس أدهم ، فلقينا الشيخ الصّالح الولي أبو زكرياء بن الإجباري فنظر إلينا ثم كرر إلي النظر دونهم ثم قبض على ركابي وقال لي : ما اسمك يا فتى ؟ فقلت له : يعقوب ، فقال : اسأل اللّه يا فتى أن يفنى شبابك في طاعة اللّه ، فثار خاطري لذلك في الحين ، وكأنما رماني بسهم ، فخرجت من المهدية وأنا على خلاف ما كنت عليه ، ثم وصلت إلى القيروان فتركت ركوب الخيل ، ومكاثرة أهلي ، وانقطعت إلى عمارة مسجد كان هناك بقربنا ، ثم قصدت إلى ميعاد الشيخ الصالح الزاهد الفقيه أبي زكرياء بن عوانة رحمه اللّه ، ثم لم يزل ملازما